تكريمًا لفاطمة المرنيسي

Submitted by Musawah on Thu, 03/03/2016 - 12:26
image

تكريم فاطمة المرنيسي

بقلم زيبا مير-حسيني

فبراير/شباط2016

"هناك سنوات تطرح الأسئلة وسنوات تجيب عليها." ~ من كتاب

Their Eyes Were Watching God, Zora Neale Hurston (كانت عيونهم تراقب الرب، زورا نيالي هرستون).

كما خطط القدر، كان يوم مغادرة فاطمة المرنيسي لهذا العالم، هو اليوم الذي كانت تنظم فيه مساواة دورة بناء القدرات – الإسلام والعدالة والمساواة بين الجنسين أي – إنجيج (I-nGEJ، تنطق بالإنجليزية 'I engage' أي أنخرط). كان ذلك يوم الأحد 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، ثاني أيام الدورة، وكنا في دار الداية، التي لا تبعد سوى مسيرة ساعة بالسيارة عن الرباط. وصلنا الخبر قرب الظهيرة، أثناء جلسة آمنة ودود حول "قراءة القرآن من أجل الجندر: النص والسياق"، التي كانت تيسرها زينة. كانت تلك أول مرة تزور فيها آمنة المغرب، وكانت تتوق للالتقاء بفاطمة للمرة الأولى، بعد أن استطاعت أسماء المرابط أن ترتب لقاء بينهما على الغداء، ولكن فاطمة كان قد أقعدها المرض فلم تستطع الحضور، ولم تكن هناك فرصة لترتيب موعد آخر للقاء، حيث كان على أسماء أن تسافر لارتباطات لها، وكان على آمنة أن تغادر أيضًا قبل نهاية الدورة. لم يكتب لهما الالتقاء أبدًا.

 غادرت أسماء الرباط يوم وفاة فاطمة. وفي الخامس من ديسمبر/كانون الأول، آخر أيام الدورة، بعثت إلينا بهذه الرسالة على البريد الإلكتروني من لشبونة:

أردت فقط أن أطلعكم على آخر كلمات سمعتها من فاطمة عبر الهاتف، وهي تعتذر عن عدم حضور الغداء مع آمنة... قالت "قولي لها إنها رائدة وأن مساواة هي المستقبل." كان صوتها يتهدج ضعفًا، وكانت تعاني، ولكن لم يفارقها الأمل في المستقبل... رحمها الله.

عندما كنت أعد هذا المقال تكريمًا لها، وقعت عيني على عبارة من رواية للكاتبة الأمريكية من أصل أفريقي زورا نيالي هرستون، صدرت سنة 1937، تقول فيها: "هناك سنوات تطرح الأسئلة وسنوات تجيب عليها." فشعرت أن تلك الكلمات تعبر عن مرتحلتين في كتابات فاطمة المرنيسي حول قضايا الإسلام والجندر. مرحلتان شكلتا الرحلة التي تشاركت فيها بعضنا معها (رغم عدم تزامن تلك المشاركة عند الجميع) وجمعتانا معًا في مساواة.

مع فاطمة ونسويات مسلمات رائدات في الرباط (2015)

نشر أول كاتب فاطمة المرنيسي Beyond the Veil: Male-Female Dynamics in Muslim Society (ما وراء الحجاب – الجنس كهندسة اجتماعية) سنة 1975، واعتمد على الرسالة التي كانت قد أعدتها لنيل درجة الدكتوراه. تناولت فاطمة في الجزء الأول من الكتاب ما أسمته "التصور الإسلامي للجنسين كما يتجلى في مؤسسة الأسرة"؛ وفي الجزء الثاني ركزت على المغرب، حيث حللت " توجه التحديث كما تجسد في حصول المرأة التدريجي على الحق في التعليم وفي المنافسة على الوظائف." كان لديها جديدٌ تضيفه، فجاء كتابها نسيجًا ثريًا من الحجج، والتأكيدات، والملاحظات، والتبصر، استقتها جمعيًا من مصادر مختلفة، تراوحت بين قراءاتها للمصادر الإسلامية المبكرة والمعاصرة إلى النظريات السيكولوجية والسوسيولوجية، فضلاً عما لديها من دراية بالمغرب.

وقابلت بين أفكار الجنوسة في التراثين الإسلامي والمسيحي، ومختلف السبل التي تجلت فيها تلك الأفكار وصاغت شكل ومدى تبعية المرأة؛ فضلاً عن استعراضها للتوجهات والقيم المتصارعة التي كان على المسلمين التفاوض حولها والخيارات التي كانت متاحة لهم.
وتمثل الهدف الرئيسي للكتاب في إلقاء الضوء على "العلاقة بين الجنوسة والشريعة في العقل المسلم" وكيف تعززت هذه العلاقة على مدار القرن العشرين كرد فعل على الاستعمار والتدخلات الغربية. وذهبت المرنيسي إلى أن هذه العلاقة هي التي شكلت التاريخ الأيديولوجي للأسرة المسلمة، وهي التي أصبحت الآن أحد المعوقات الرئيسية أمام التنمية الاقتصادية والديمقراطية، التي لن يستطيع المسلمون تحقيقها دون إحداث تحول كبير في بنية الأسرة وأدوار الجنسين:
أريد أن أوضح أن هناك تناقضًا أساسيًا بين الإسلام كما يُفسر في السياسات الرسمية وعدم المساواة بين الجنسين. فالمساواة بين الجنسين [في نظر هذا التفسير] تنتهك المسلمات الإسلامية، والتي تتجلى في شريعته، فيصبح الحب بين الجنسين افتئاتًا على أوامر الله. الزواج الإسلامي قائم على هيمنة الرجل (صص. 18 – 19)
المرأة، في أيديولوجيا النظام الاجتماعي الإسلامي تخضع لسلطة الرجل. والله يعتبر النساء عناصر تدمير اجتماعي، وبالتالي يجب أن تكون هناك قوانين لعزلهن داخل الأسرة. وتذهب المرنيسي إلى أن تلك القوانين تخضع المرأة لسلطة الأب، والأخ، والزوج، فضلاً عن أنها تحرم المرأة – بفرضها الفصل بين الجنسين – من النفاذ المتساوي للفضاء العام، والعمل، والتعليم.
نحن هنا أمام تناقض، حيث أن الإسلام، وعلى عكس ما هو شائع، لا يعزز فرضية الدونية اللازبة للمرأة، بل على نقيض ذلك، يؤكد إمكانية المساواة بين الجنسين. أما عدم المساواة القائمة فهي لا تستند إلى نظرية أيديولوجية أو بيولوجية عن دونية المرأة، بل هي بالأحرى نتاج مؤسسات اجتماعية محددة وضعت لتقييد قوتها: وهي تحديدًا الفصل بين الجنسين، والتبعية القانونية في بنية الأسرة. كما أن تلك المؤسسات لم تنتج أيديولوجيا مقنعة ومنهجية عن دونية المرأة. فالواقع يشي بأنه لم يكن صعبًا على الحركة النسوية التي أطلقها رجال وقادها رجال أن تؤكد على الحاجة لتحرير المرأة، بما أن التراث الإسلامي يعترف بالتساوي في القدرات. فالتمجيد الديمقراطي للإنسان الفرد، بغض النظر عن جنسه، وعرقه، ووضعه الاجتماعي هو جوهر رسالة الإسلام (ص. 19؛ الخط المائل إضافة من عندي)
ولكن، إذا كان الإسلام يؤكد على إمكانية المساواة بين الجنسين، فلماذا لم ينعكس ذلك في القوانين ولا في الممارسات؟ تذهب المرنيسي إلى أن السبب في ذلك يرجع إلى كيفية تصور الجنوسة، والقوانين التي وضعت لضبطها. فالجنوسة مقدرة، وتحتاج إلى إشباعها من خلال توجيه الرغبة الجنسية في الاتجاه الصحيح، بحيث لا تحدث اضطرابًا في الأيديولوجيا المقدسة ولا في النظام الاجتماعي. وبما أن هناك تسليم بأن المرأة كائن قوي وخطر، فيجب أذن ضبطه، حيث أن جنوستها تمثل خطرًا محتملاً على النظام، فضلاً عن أنها تصرف الرجال عن طاعة الله. من هنا نلحظ العلاقة الوثيقة بين البنية السياسية السلطوية وبنية الأسرة، فإحداهما لا تستطيع أن تمارس دورها بشكل مناسب بدون وجود الأخرى. هذا هو ما يجعل المساواة بين الجنسين والحب في الزواج يمثلان تهديدًا للنظام السياسي السلطوي وللثقافة السلطوية في المجتمع المسلم.

طالع(ي) المقال كاملًا هنا (PDF)

PrintFriendly

Printer Friendly and PDF