النسوية الإسلامية: مكافحة اللاهوت باللاهوت

Submitted by Musawah on Tue, 10/04/2016 - 15:13
image

بقلم: رنا حربي للأخبار

نشر في 25 أبريل/نيسان 2014

صممن على التمسك بعقيدتهن وثقافتهن، مع مناصرتهن المستميتة للمساواة في الحقوق، لتعلن النسويات المسلمات استعادتهن الإسلام لأنفسهن، بتقويض صرح البطريركية الدينية.

هل يمكن أن تكوني مسلمة ونسوية؟ هل يتعايش الإسلام والنسوية؟ هل تتوافق النصوص الإسلامية مع حقوق المرأة؟

الإجابة عند النسويات المسلمات: نعم

النسوية الإسلامية خطاب نسوي يعزز المساواة بين الجنسين، والعدالة الاجتماعية من داخل الإطار الإسلامي، سعيًا لتحقيق مصالحة تطبيعية بين الإسلام وحقوق المرأة.

ترى النسويات المسلمات أن الإسلام قد تطور على نحو معاد لحقوق المرأة، ليس لأنه غير متسق في جوهره مع المساواة بين الجنسين، ولكن بسبب هيمنة التفسيرات البطريركية التي غلفت الشريعة الإسلامية. وقد شرحت زيبا ميرحسيني - أستاذة الأنثروبولوجيا القانونية الإيرانية، وإحدى أوائل النسويات الإسلاميات الأكاديميات – ذلك للأخبار بقولها: "بالتشبث بفقه العصور الوسطى، حوَّل الفقهاء الذكور والمحافظون الإسلام إلى خطاب معادٍ للمرأة، يعزز تراتب الجندر". 

فالمرأة المسلمة تواجه ، باسم الإسلام والبطريركية التي تفرضها الدولة، طائفة واسعة من الممارسات البغيضة والقوانين الظالمة التي لم تكتف بضمان إخضاعها، بل ووصمتها بأنها مواطن من الدرجة الثانية.

تقول زيبا مير حسيني: " لا تسعى النسويات الإسلاميات إلى الفكاك من الدين، بل تتحدين من يدعون أن أفضلية الرجل إملاء إلهي، وذلك بكشف التفسيرات الضيقة للنصوص الإسلامية، والتي يدعمها المحافظون عبر الخطاب الذي تشكلت عقليتهم نفسها من خلاله." فبالاعتماد على المناهج الأساسية للاجتهاد والتفسير عند الأقدمين، يستعيد التفسير النسوي للنص الديني رسالة المساوة في الإسلام، وذلك بطرح تجارب النساء وأسئلتهن على ما يقرأن من مختلف الآراء والمذاهب الفقهية.

فبعض النساء تضعن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة في سياقها التاريخي والاجتماعي والسياسي ابتغاء تفكيك التفسيرات الذكورية، وتحرير المسلمين من القراءة الحرفية للنصوص؛ بينما تستخدم أخريات أدوات لغوية وأنثروبولوجية على أمل إعادة ترسيخ مبادئ العدالة بين الجنسين الموجودة بالفعل، ولكنها تلقى تجاهلاً كبيرًا.

هذا فضلاً عن تركيز النسويات الإسلاميات، كذلك، على تسليط الضوء على الآيات القرآنية التي تؤكد صراحة على المساواة بين الرجل والمرأة.

الرجل والمرأة خلقا من نفس واحدة

ترى آمنة ودود – وهي مسلمة أمريكية من أصول أفريقية، وأستاذة مساعدة الدراسات الإسلامية بجامعة فيرجينيا كومنولث - أنه "لا يوجد فرق جوهري في القيم المنسوبة إلى كل من المرأة والرجل"، وأنهما يتمتعان "بشكل جوهري بقيمة متساوية" ولهما "نفس الاعتبار أو اعتبار متساوٍ، ووُهبا نفس القدرات أو قدرات متساوية."

وتستشهد آمنة بآيات من القرآن لتدلل على أن "الإسلام الحقيقي" ينظر إلى الرجل والمرأة على أنهما متساويان، خُلِقا من نفس واحدة.

يقول رب العزة: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا." (الآية 1 من سورة النساء)

كذلك تستخدم أخوات في الإسلام – وهي منظمة نسوية إسلامية تأسست سنة 1987 لمناصرة حقوق المرأة المسلمة في ماليزيا – آيات من القرآن الكريم في الكتاب الذي أصدرته بعنوان Unveiling the Ideal: A New Look at Early Muslim Women  لإثبات التوافق الفعلي بين الإسلام وعدالة الجندر.

وتلجأ أخوات في الإسلام كذلك إلى الآيات 124 من سورة النساء، و35 من سورة الأحزاب، و71-72 من سورة التوبة، و97 من سورة النحل، و13 من سورة الحجرات، والعديد من الآيات الأخرى لإثبات أن الحق سبحانه وتعالى ساوى في كتابه العزيز بين الرجل والمرأة في المحاسبة، فوعد الصالح من ذكر أو أنثى بالثواب نفسه، والطالح منهما بالجزاء نفسه: "من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنحيينه حياةً طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون" (الآية 97 من سورة النحل)

لذلك ترى أخوات في الإسلام أنه من المهم أن نسلط الضوء على الآيات التي تؤكد المساواة بين الجنسين، ونعيد تأويل الآيات التي تحتمل أكثر من معنى، لأن بعض قوانين الأسرة المسلمة مثل تلك التي "تحكم العلاقة بين الرجل والمرأة على أساس إطارٍ من تفوق الرجل وتبعية المرأة، لم يعد من الممكن الإبقاء عليها في القرن الحادي والعشرين."

تعدد الزوجات يتناقض مع الإسلام

تعتبر الشريعة الإسلامية، في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، المصدر الرئيسي للتشريع في قوانين الأحوال الشخصية، وجزءً أساسيًا من الدساتير. وقد استطاعت النخبة الذكورية، باستغلالها للإسلام السياسي واعتقاده بأن الإسلام يجب أن يكون المرشد الهادي في الحياة الشخصية والاجتماعية والسياسية، أن تطوع القوانين بحيث تشرعن تفوق الرجل. وترى أسماء المرابط – الطبيبة والكاتبة ورئيسة مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام – أن صعود الإسلام السياسي أعاد الحاجة إلى إثبات المساواة بين الجنسين من داخل الإسلام.

فقد صرحت أسماء المرابط للأخبار بقولها: "بالتركيز على التمييز بين الشريعة، الثابتة التي فرضها الحق سبحانه وتعالى، والفقه الإسلامي، المتغير الذي أنتجه البشر، استطاعت النسويات الإسلاميات في المغرب أن تفككن التفسيرات البطريركية للقرآن، لتنجحن في النهاية في الضغط من أجل إدخال إصلاحات قانونية جوهرية في قانون الأحوال الشخصية المغربي، المدونة، سنة 2004."

فعلى الرغم من أن المدونة التي أعلنت سنة 2004، وراعت المرأة تمامًا، قائمة على الشريعة، فقد أعطت المرأة حقوقًا مساوية للرجل في الأمور الحساسة، مثل الزواج، والطلاق، وحضانة الأبناء، والميراث، فضلاً عن أنها حظرت العنف المنزلي، وضمنت الحقوق الزواجية.

فتعدد الزوجات، على سبيل المثال، مقيد تقييدًا شديدًا في المدونة، حيث يحتاج إلى تصريح من القاضي، ومبررًا موضوعيًا استثنائيًا، وموافقة الزوجة، وتوافر موارد اقتصادية كافية للإنفاق على زوجتين وأسرتين.

ويعتبر تعدد الزوجات من القضايا الحساسة في الإسلام، إذ تَحوَّل من فعل مباح في ظروف استثنائية للغاية، إلى ممارسة معتادة فاسدة يقدم عليها رجال لا تحركهم سوى الشهوة.

ولمعالجة تلك المشكلة، نشرت أخوات في الإسلام كتابًا بعنوان Islam and Polygamy  لتشرح فيه بدقة تعدد الزوجات في الإسلام.

وترى أخوات في الإسلام أن المشكلة تكمن في "نزع هذه الآية [أية تعدد الزوجات] من سياقها واتخاذها قاعدة عامة أو اعتبارها من التعاليم الأخلاقية."

فالجزء الأول من الآية الثالثة من سورة النساء يقول: "وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع."

وترى أخوات في الإسلام أن تعدد الزوجات مصرح به فقط عندما يكون هناك عدد كبير من اليتامى والأرامل بسبب الحروب، وبالتالي، فهي ترى أن "تعدد الزوجات ليس حقًا، بل تقييدًا ومسؤولية، لضمان تحقيق العدالة لليتامى."

هذا فضلاً عن أن المسلمين الذين يعتبرون تعدد الزوجات "حقًا لهم" نسوا أو تناسوا، في رأي أخوات في الإسلام، الجزء الثاني من الآية نفسها، والذي يقول: "فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا."

وفي رأي أخوات في الإسلام: "عندما يؤكد القرآن صراحةً على توخي المعاملة الطيبة والعدل بين الزوجات، يعترف، في الوقت نفسه، باستحالة تحقيق تلك المثل العليا عمليًا"، وبالتالي يجعل تعدد الزوجات شبه مستحيل.، حيث تقول الآية 129 من السورة نفسها: "ولن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورًا رحيمًا".

العنف المنزلي لم ينص عليه القرآن

قضيتان أخريان على جانب كبير من الحساسية، عالجتهما المدونة، ولم تكف النسويات الإسلاميات في كل أنحاء الأرض عن التعامل معهما، وهما قوامة الرجل على المرأة والعنف المنزلي.

ففي ديباجة المدونة: "النساء شقائق للرجال في الأحكام". كما أن المرأة لا يمكن تزويجها ضد رغبتها، ولا تحتاج إلى موافقة ولي أو وصي عليها، أبًا كان أو أخًا. كذلك يحق للمرأة رفع دعوى بطلب الطلاق إذا أخل الزوج بالتزاماته التي نص عليها عقد الزواج، أو تسبب لها في ضرر، سواء بالضرب أو الهجر.

هذه المواد تتحدى علانية ًالتفسيرات التقليدية للآية 34 من سورة النساء، التي تستخدم لتبرير أفضلية الرجل على المرأة لمجرد كونه رجلاً، ومشروعية ضرب الرجل للمرأة: "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليًا كبيرا."

لقد أصبحت بعض المفاهيم المعادية للمرأة متجذرة في الخطاب الإسلامي الأكاديمي نتيجة تفسيرات الأقدمين لهذه الآية، والتي تأثرت، بلا شك، بالنمط البطريركي السائد في العصور الوسطى، والذي كان وراء تلك التفسيرات.

وقد ذكر الفقيه الإسلامي المعاصر يوسف القرضاوي في كتابه "الحلال والحرام في الإسلام" أن للرجل على زوجته الطاعة والتعاطف فإن لم تفعل، فآخر ما يلجأ أليه أن يضربها برفق بيديه، مع تحاشي الوجه والمناطق الحساسة.

على الرغم من احتدام الخلاف حول الجزء الأول من الآية، خاصةً كلمة "قوامة"، فالخلاف أكثر حدة حول الجزء الثاني منها، وخاصةً كلمة "واضربوهن"

وكانت الباحثة الإيرانية – الأمريكية لاله بختيار، التي ألفت أكثر من 20 كتابًا في التصوف، وعلم النفس، وغيرهما من موضوعات، قد نشرت في 2007 ترجمة للقرآن الكريم، وذكرت أنها قضت نحو ثلاثة أشهر في ترجمة هذه الآية تحديدًا.

فبدلاً من ترجمة الفعل "ضرب" ليعني "الضرب برفق" آثرت أن تترجمه بمعنى "الابتعاد"؛ حيث رأت أن "اضربوهن" لا تعني "الضرب" ولكن "الهجر"، وأسست رأيها هذا على استخدام الجذر "ضرب" في آيات أخرى بمعانٍ  أخرى.

ومن ذلك أن كلمة "ضربتم" في الآية 94 من سورة النساء: "يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى أليكم السلام لست مؤمنًا... الآية" تعني الارتحال. وكذلك في الآية 24 من سورة إبراهيم : " ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء"، جاءت كلمة "ضرب" بمعنى ضرب المثل.

وقد أحصت هادية مبارك - ناشطة حقوق المرأة السورية الأمريكية، وأول امرأة تتولى رئاسة جمعية الطلبة المسلمين الوطنية - ستة معانٍ لـ "ضرب" وفضلت ترجمتها لتعني "إحداث تأثير عليها".

كذلك تستند النسويات الإسلاميات إلى آيات معينة لإثبات تحذير القرآن للرجال من ظلم المرأة أو إساءة معاملتها، ومنها الآية 19 من سورة النساء: "يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا."

على الرغم من أن الكثير من المسلمين والمسلمات قد بدأوا يعترفون بالحاجة لإعادة تأويل وتفسير القرآن ليتسق التأويل مع حياتهم اليومية، فأمام النسويات المسلمات طريق طويل وربما خطر، لأنهن يضعن أقدامهن في ميدان هيمن عليه لقرون طويلة الفقهاء المسلمون المحافظون الذين لن يستسلموا دونما نضال.

 

نشر هذا المقال أول مرة هنا

للاطلاع على المزيد من المواد، يمكنكم زيارة مكتبة مساواة.

PrintFriendly

Printer Friendly and PDF